الشيخ محمد هادي معرفة

151

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الآية قبلها تنصّ على أنّ الماء الذي يشربه الناس والدوابّ - وحتّى الذي يسقى به الزرع والنبات - هو الماء النازل من السماء : « أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ « 1 » أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ » . « 2 » * * * إنّك تعرف أنّ الأرض ربعها يابس وثلاثة أرباعها ماء ، هذا الماء كلّه مالحٌ أجاج . لكنّ اللّه تعالى بفضله ورحمته يقطر للإنسان والحيوان والنبات من هذا الماء الأجاج ماءً عذبا فراتا سائغا للشاربين . أمّا جهاز التقطير فليس كمثله جهاز . البحار كلّها في ذلك دست « 3 » لايسخن من تحت ، كما يفعل الإنسان في تقطيراته التافهة ، ولكن يسخن من فوق بنار تفوق حجم الأرض بآلاف المرّات . فإذا ما تبخّر الماء بحرارة الشمس تكثف في مكثف ناهيك من مكثف الجوّ المحيط كلّه والجبال . والرياح مستمرّة دائبة في حمل هذا البخار المتكاثف ونقلها إلى حيث يشاء اللّه . فإذا أمطرت السماء وسالت الأودية وفاضت الأنهار وحملت الخصب والنماء إلى الأقطار تبخّر بعض الماء وامتصّت الأرض منه بعضا وصار باقيه إلى البحر الذي كان منه مصعده . لكن ليس شيء من الماء بضائع ! فما تمتصّه الأرض تتفجّر به بعدُ عيونا ، ويتبخّر من الماء العذب أو يصير إلى البحر فهو في حرز حريز من الضياع ، إذ مآله أن يصير مرّة أخرى ماء يحيى به الناس والأنعام ، وتحيى به الأرض بعد موتها . فالماء بين البحر والجوّ واليابسة في دورة مقدّرة متّصلة ، لاانقطاع فيها ولاتنتهي أبدا ، إلّا أن يشاء اللّه ، هو ربّ كلّ شيء . هكذا يتحوّل الماء من أصلٍ مالحٍ أجاج إلى مقطّرٍ عذبٍ فرات ، في جهاز تقطّر كهذا الجهاز العظيم في جوّ السماء . * * *

--> ( 1 ) - المزن : السحاب المشبّع بالماء . ( 2 ) - الواقعة 68 : 56 - 70 . ( 3 ) - كلمة عامّية بمعنى المرجل : القدر ، وهو كلّ ما يغلى فيه الماء .